فصل: تفسير الآيات (103- 105):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: لباب التأويل في معاني التنزيل المشهور بـ «تفسير الخازن» (نسخة منقحة).



.تفسير الآية رقم (99):

{وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)}
قوله عز وجل: {وهو الذي أنزل من السماء ماء} يعني المطر وقيل إن الله ينزل المطر من السماء إلى السحاب ومن السحاب إلى الأرض {فأخرجنا به} يعني بالماء أنزلناه من السماء {نبات كل شيء} يعني كل شيء ينبت وينمو من جميع أصناف النبات، وقيل معناه أخرجنا بالماء الذي أنزلناه من السماء غذاء كل شيء من: الأنعام والبهائم والطير والوحش وأرزاق بني آدم وأقواتهم مما يتغذون به فينبتون عليه وينمون {فأخرجنا منه خضراً} يريد أخضر مثل عور وأعور. والأخضر هو جميع الزروع والبقول الرطبة {نخرج منه حباً متراكباً} يعني: يخرج من ذلك الأخضر سنابل فيها الحب يركب بعضها فوق بعض مثل: سنبل القمح والشعير والارز والذرة وسائر الحبوب وفي تقديم الزرع على النخيل دليل على الأفضلية ولأن حاجة الناس إليه أكثر لأنه القوت المألوف {ومن النخل من طلعها قنوان دانية} يعني من ثمرها. يقال: أطلعت النخلة إذا أخرجت طلعها وطلعها كفراها قبل أن ينشق عن الإغريض. والإغريض: يسمى طلعاً أيضاً وهو ما يكون في قلب الطلع والطلع أول ما يبدو ويخرج من ثمر النخل كالكيزان يكون فيه العذق فإذا شق عنه كيزانه سمي عذقاً وهو القنو وجمعه قنوان مثل: صنو وصنون. دانية أي قريبة التناوي ينالها القائم والقاعد وقال مجاهد: متدلية. وقال الضحاك: قصار ملتصقة بالأرض وفيه اختصار وحذف تقديره ومن النخل ما قنوانها دانية قريبة ومنها ما هي بعيدة عالية فاكتفى بذكر القريبة عن البعيدة لشدة الاهتمام بها ولأنها أسهل تناولاً من البعيدة لأن البعيدة تحتاج إلى كلفة {وجنات من أعناب} يعني وأخرجنا من ذلك بساتين من أعناب {والزيتون والرمان} يعني وأخرجنا شجرة الزيتون وشجر الرمان {مشتبهاً} قال قتادة مشتبهاً ورقها مختلفاً ثمرها لأن ورق الزيتون يشبه ورق الرمان {وغير متشابه} يعني ومنها غير متشابه في الورق والطعم. واعلم أن الله تعالى ذكر في هذه الآية أربعة أنواع من الشجرة بعد ذكر الزرع وإنما قدم الزرع على سائر الأشجار لأن الزرع غذاء وثمار أشجار فواكه والغذاء مقدم على الفواكه وإنما قدم النخلة على غيرها لأن ثمرتها تجري مجرى الغذاء، وفيها من المنافقع والخواص ما ليس في غيرها من الأشجار وإنما ذكر العنب عقب النخلة؛ لأنها من أشرف أنواع الفواكه ثم ذكر عقبه الزيتون لما فيه من البركة والمنافع الكثرة في الأكل وسائر وجوه الاستعمال ثم ذكر عقيبه الرمان لما فيه من المنافع أيضاً لأنه فاكهة ودواء ثم قال تعالى: {انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه} يعني ونضجه وإدراكه. والمعنى انظروا نظر استدلال واعتبروا كيف أخرج الله تعالى هذه التمرة الرطبة اللطيفة من هذه الشجرة الكثيفة اليابسة وهو قوله: {إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون} يعني يصدقون أن الذي أخرج هذا النبات وهذه الثمار قادر على أن يحيى الموتى ويبعثهم وإنما احتج الله عليهم بتصريف ما خلق ونقله من حال إلى حال وهو ما يعلمونه قطعاً ويشاهدونه من إحياء الأرض بعد موتها وإخراج سائر أنواع النبات والثمار منها وأنه لا يقدر على ذلك أحد إلا الله تعالى ليبين أنه تعالى كذلك قادر على أن يحييهم بعد موتهم ويبعثهم يوم القيامة فاحتج عليهم بهذه الأشياء لأنهم كانوا ينكرون البعث.

.تفسير الآيات (100- 102):

{وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102)}
قوله تعالى: {وجعلوا لله شركاء الجن} قال الحسن: معناه أطاعوا الجن في عبادة الأوثان. وهو اختيار الزجاج. قال: معناه إنهم أطاعوا الجن فيما سولت لهم من شركهم فجعلوهم شركاء لله. وقال الكلبي: نزلت في الزنادقة أثبتوا الشرك لاثنين في الخلق فقالوا الله خالق النور والناس والدواب والأنعام وإبليس خالق الظلمة والسباع والحيات والعقارب ونقل هذا القول ابن الجوزي عن ابن السائب ونقله الرازي عن ابن عباس. قال الإمام فخر الدين: وهذا مذهب المجوس. وإنما قال ابن عباس: هذا قول الزنادقة، لأن المجوس يلتبسون بالزندقة، لأن الكتاب الذي زعم زرادشت أنه نزل من السماء سماه بالزند والمنسوب إليه زندي ثم عرب: فقيل: زنديق فإذا جمع، قيل: زنادقة. ثم إن المجوس قالوا: كل ما يكون في هذا العالم من الخير فهو من يزدان يعني النور وجميع ما في العالم من الشر فهو من الظلمة يعني إبليس ثم اختلف المجوس فالأكثرون منهم على أن إبليس محدث ولهم في كيفية حدوثه أقوال عجيبة والأقلون منهم قالوا: إنه قديم وعلى كلا القولين فقد اتفقوا على أنه شريك الله في تدبير هذا العالم فما كان من خير فمن الله وما كان من شر فمن إبليس تعالى الله عن قولهم علوّاً كبيراً.
فإن قلت فعلى هذا القول إنما أثبتوا لله شريكاً واحداً وهو إبليس فكيف حكى الله أنهم جعلوا له شركاء قلت: إن إبليس له أعوان من جنسه وحزبه وهم شياطين الجن يعملون أعماله فصح ما حكاه الله عنهم من أنهم جعلوا له شركاء الجن ومعنى الآية وجعلوا الجن شركاه لله واختلفوا في معنى هذه الشركة فمن قال إن الآية في كفار العرب قال إنهم لما أطاعوا الجن فما أمروهم به من عبادة الأصنام فقد جعلوهم شركاء لله ومن قال إنها في المجوس قال إنهم أثبتوا إلهين اثنين النور والظلمة، وقيل إن كفار العرب قالوا الملائكة بنات الله وهم شركاؤه فعلى هذا القول فقد جعلوا الملائكة من الجن وذلك لأنهم مستورون عن الأعين.
وقوله: {وخلقهم} في معنى الكناية قولان: أحدهما: أنها تعود إلى الجن فيكون المعنى: والله خلق الجن فكيف يكون شريك الله من هو محدث مخلوق.
والقول الثاني: إن الكناية تعود إلى الجاعلين لله شركاء فيكون المعنى: وجعلوا لله الذي خلقهم شركاء لا يخلقون شيئاً.
وهذا كالدليل القاطع بأن المخلوق لا يكون شريكه لله وكل ما في الكون محدث مخلوق والله تعالى هو الخالق لجميع ما في الكون فامتنع أن يكون لله شريك في ملكه {وخرقوا له بنين وبنات بغير علم} أي اختلقوا وكذبوا يقال: اختلق واخترق على فلان إذا كذب عليه وذلك أن النصارى وطائفة من اليهود ادعوا أن لله ابناً، وكفار العرب ادعوا أن الملائكة بنات الله وكذبوا على الله جميعاً فيما ادعوه وقوله: {بغير علم} كالتنبيه على ما هو الدليل القاطع على فساد هذا القول لأن الولد جزء من الأب والله سبحانه وتعالى لا يتجزأ فثبت بهذا فساد قول من يدعي أن لله ولداً ثم نزه الله تعالى نفسه عن اتخاذ الولد وعن هذه الأقاويل الفاسدة فقال تعالى: {سبحانه وتعالى عما يصفون} فقوله سبحانه فيه تنزيه الله عن كل ما لا يليق بجلاله وقوله تعالى يعني هو المتعالي عن كل اعتقاد باطل وقول فاسد، أو يكون المعنى: المتعالي عن اتخاذ الولد والتشريك وقوله: {عما يصفون} يعني عما يصفونه به من الكذب.
قوله عز وجل: {بديع السموات والأرض} الإبداع عبارة عن تكوين الشيء على غير مثال سبق والله تعالى خلق السموات والأرض على غير مثال سبق {أنى يكون له ولد} يعني من أين يكون له ولد {ولم تكن له صاحبة} لأن الولد لا يكون إلا من صاحبة أنثى ولا ينبغي أن تكون لله صاحبة لأنه ليس كمثله شيء {وخلق كل شيء} يعني أن الصاحبة والولد في جملة من خلق لأنه خالق كل شيء وليس كمثله شيء فكيف يكون الولد لمن لا مثل له وإذا نسب الولد والصاحبة إليه فقد جعل له مثل والله تعالى منزه عن المثلية وهذه الآية حجة قاطعة على فساد قول النصارى {وهو بكل شيء عليم} يعني أنه تعالى عالم بجميع خلقه لا يعزب عن علمه شيء وعلمه محيط بكل شيء.
قوله تعالى: {ذلكم الله ربكم} يعني ذلكم الله الذي من صفته أنه خلق السموات والأرض وأبدعهما على غير مثال سبق {وأنه بكل شيء عليم} هو ربكم الذي يستحق العبادة لا من تدعون من دونه من الأصنام لأنها جمادات لا تخلق ولا تضر ولا تنفع ولا تعلم والله تعالى هو الخالق الضار النافع {لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبد وه} يعني أنه هو الذي يستحق العبادة فاعبد وه وأطيعوه {وهو على كل شيء وكيل} يعني أنه هو تعالى على كل شيء خلق رقيب حفيظ، يقوم بأرزاق جميع خلقه.

.تفسير الآيات (103- 105):

{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104) وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105)}
قوله عز وجل: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} قال جمهور المفسرين معنى: الإدراك الإحاطة بكنه الشيء وحقيقته فالأبصار ترى البارئ جل جلاله ولا تحيط به كما أن القلوب تعرفه ولا تحيط به. وقال سعيد بن المسيب في تفسيره: قوله لا تدركه الأبصار، لا تحيط به الأبصار. وقال ابن عباس: كلت أبصار المخلوقين عن الإحاطة به.
فصل:
تمسك بظاهر الآية قوم من أهل البدع ووهم الخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة وقالوا: إن الله تبارك وتعالى لا يراه أحد من خلقه وإن رؤيته مستحيلة عقلاً، لأن الله أخبر أن الأبصار لا تدركه وإدراك البصر عبارة عن الرؤية، إذ لا فرق بين قوله أدركته ببصري ورأيته ببصري فثبت بذلك أن قوله لا تدركه الأبصار بمعنى لا تراه الأبصار وهذا يفيد العموم ومذهب أهل السنة أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة وفي الجنة وأن رؤيته غير مستحيلة عقلاً واحتجوا لصحة مذهبهم بتظاهر أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، ومن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية الله تبارك وتعالى للمؤمنين في الآخرة قال الله تبارك وتعالى: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} ففي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة وقال تعالى: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} قال الشافعي رحمه الله: حجب قوماً بالمعصية وهي الكفر فثبت أن قوماً يرونه بالطاعة وهي الإيمان وقال مالك لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعير الكفار بالحجاب وقال تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} وفسروا هذه الزيادة بالنظر إلى وجه الله تبارك وتعالى يوم القيامة.
وأما دلائل السنة فما روي عن جرير بن عبد الله البجلي قال: «كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر وقال إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب}» أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة: «أن ناساً قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تضامون في القمر ليلة البدر؟ قالوا لا يا رسول الله قال هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا لا يا رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنكم ترونه» كذلك أخرجه أبو داود وأخرجه الترمذي وليس عنده في أوله أن أناساً سألوا ولا في آخره ليس دونها سحاب. عن أبي رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله أكلنا يرى ربه مخلياً به يوم القيامة؟ قال: نعم قلت وما آية ذلك من خلقه؟ قال: «يا أبا رزين أليس كلكم يرى القمر ليلة البدر مخلياً به قلت بلى قال: فالله أعظم إنما هو خلق من خلق الله يعني القمر فالله جل وأعظم» أخرجه أبو داود وأما الدلائل العقلية، فقد احتج أهل السنة أيضاً بهذه الآية على جواز رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة، وتقريره، أنه تعالى تمدح بقوله لا تدركه الأبصار فلو لم يكن جائز الرؤية وتحقيق هذا أن الشيء إذا كان في نفسه بحيث تمتنع رؤيته فحينئذ لا يلزم من عدم رؤيته مدح وتعظيم، أما إذا كان في نفسه جائز الرؤية. ثم إنه قدر على حجب الأبصار عنه كانت القدرة دالة على المدح والعظمة فثبت أن هذه الآية دالة على أنه تعالى جائز الرؤية وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة، لأن موسى صلى الله عليه وسلم سأل الرؤية بقوله: {أرني أنظر إليك} وذلك يدل على جواز الرؤية، إذ لا يسأل نبي مثل موسى ما لا يجوز ويمتنع وقد علق الله الرؤية على استقرار الجبل بقوله فإن استقر مكانه فسوف تراني. استقرار الجبل جائز. والمعلق على الجائز جائز. وأما الجواب عن تمسك المعتزلة بظاهر هذه الآية في نفي الرؤية، فاعلم أن الإدراك غير الرؤية، لأن الإدراك هو الإحاطة بكنه الشيء وحقيقته، والرؤية: المعاينة للشيء من غير إحاطة. وقد تكون الرؤية بغير إدراك كما قال تعالى في قصة موسى: قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا وكان قوم فرعون قد رأوا قوم موسى ولم يدركوهم ولكن قاربوا إدراكهم إياه فنفى موسى الإدراك مع إثبات الرؤية بقوله كلا والله تعالى يجوز أن يرى في الآخرة من غير إدراك ولا إحاطة لأن الإدراك هو الإحاطة بالمرئي وهو ما كان محدوداً وله جهات والله تعالى منزه عن الحد والجهة لأنه القديم الذي لا نهاية لوجوده فعلى هذا أنه تعالى يرى ولا يدرك وقال قوم: إن الآية مخصوصة بالدنيا. قال ابن عباس في معنى الآية: لا تدركه الأبصار في الدنيا وهو يرى في الآخرة وعلى هذا القول فلا فرق بين الإدراك والرؤية قالوا ويدل على هذا التخصيص قوله: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} فقوله: {يومئذ ناظرة} مقيد بيوم القيامة على هذا يمكن الجمع بين الآيتين وقال السدي: البصر بصران: بصر معاينة وبصر علم فمعنى قوله: {لا تدركه الأبصار} لا يدركه علم العلماء ونظيره ولا يحيطون به علماً هذا وجه حسن أيضاً والله أعلم.
وقوله تعالى: {وهو يدرك الأبصار} يعني أنه تعالى يرى جميع المرئيات ويبصر جميع المبصرات لا يخفى عليه شيء منها ويعلم حقيقتها ومطلع على ماهيتها فهو تعالى لا تدركه أبصار المبصرين وهو يدركها {وهو اللطيف الخبير} قال ابن عباس: بأوليائه الخبير بهم.
وقال الزهري: معنى اللطيف الرفيق بعباده. وقيل هو الموصل الشيء إليك برفق ولين. وقيل هو الذي ينسى عباده ذنوبهم لئلا يخجلوا وأصل اللطف دقة النظر في الأشياء. وقال أبو سليمان الخطابي: اللطيف هو اللين بعباده يلطف بهم من حيث لا يعلمون ويوصل إليهم مصالحهم من حيث لا يحتسبون. وقال الأزهري: اللطيف في أسماء الله تعالى معناه الرفيق بعباده. وقيل: هو اللطيف حيث لم يأمر عباده بفوق طاقتهم وينعم عليهم فوق استحقاقهم. وقيل: هو اللطيف بعباده حيث يثني عليهم عند الطاعة ولم يقطع عنهم بره وإحسانه عند المعصية. وقيل: هو الذي لطف عن أن تدركه الأبصار وهو يدركها.
قوله تعالى: {قد جاءكم بصائر من ربكم} البصائر: جمع البصيرة، وهي الدلالة التي توجب البصر بالشيء والعلم به. والمعنى: قد جاءكم القرآن الذي فيه البيان والحجج التي تبصرون بها الهدى من الضلالة والحق من الباطل. وقيل: إن الآيات والبراهين ليست في أنفسها بصائر إلا أنها لقوّتها توجب البصائر لمن عرفها ووقف على حقائقها فلما كانت هذه الآيات والحجج والبراهين أسباباً لحصول البصائر سميت بصائر {فمن أبصر} يعني فمن عرف الآيات واهتدى بها إلى الحق {فلنفسه} يعني فلنفسه أبصر ولها عمل لأنه يعود نفع ذلك عليه {ومن عمي} يعني ومن جهل ولم يعرف الآيات ولم يستدل بها إلى الطريق {فعليها} يعني فعلى نفسه عمى ولها ضر وكان وبال ذلك العمى عليه لأن الله تعالى غني عن خلقه {وما أنا عليكم بحفيظ} يعني وما أنا عليكم برقيب أحصي عليكم أعمالكم وأفعالكم إنما أنا رسول من ربكم إليكم أبلغكم ما أرسلت به إليكم والله هو الحفيظ عليكم لا يخفى عليه شيء من أعمالكم وأحوالكم. وقيل معناه لا أقدر أن أدفع عنكم ما يريده الله بكم وقيل معناه لست آخذكم بالإيمان أخذ الحفيظ الوكيل وهذا كان قبل الأمر بقتال المشركين فعلى هذا القول تكون الآية منسوخة بآيات السيف وعلى القول الأول ليست منسوخة والله أعلم.
قوله عز وجل: {وكذلك نصرف الآيات} يعني وكذلك نبين الآيات ونفصلها في كل وجه كما صرفناها وبينها من قبل {وليقولوا درست} يعني وكذلك نصرف الآيات لتلزمهم الحجة وليقولوا درست. وقيل: معناه لئلا يقولوا درست وقيل اللام فيه لام العاقبة ومعناه عاقبة أمرهم أن يقولوا درست يعني قرأت على غيرك. يقال: درس الكتاب يدرسه دراسة إذا أكثر قراءته وذلله للحفظ. قال ابن عباس: وليقولوا، يعني أهل مكة حين تقرأ عليهم القرآن درست يعني تعلمت من يسار وجبر وكانا عبد ين من سبي الروم ثم قرأت علينا تزعم أنه من عند الله وقال الفراء: معناه تعلمت من اليهود وقرئ دارست بالألف بمعنى قارأت أهل الكتاب من المدارسة التي هي بين اثنين يعني يقولون قرأت على أهل الكتاب وقرؤوا عليك وقرئ درست بفتح الدال والراء والسين وسكون التاء ومعناه أن هذه الأخبار التي تتلوها علينا قديمة فدرست وانمحت من قولهم فرس الأثر إذا محي وذهب أثره {ولنبينه لقوم يعلمون} يعني القرآن وقيل: معناه نصرف الآيات لقوم يعلمون.
قال ابن عباس: يريد أولياءه الذين هداهم إلى سبيل الرشاد وقيل: معنى الآية وكذلك نصرف الآيات ليسعد بها قوم ويشفى بها آخرون فمن أعرض عنها وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «درست أو درست فهو شقي ومن تبين له الحق وفهم معناها وعمل بها فهو سعيد» وقال أبو إسحاق: إن السبب الذي أداهم إلى أن قالوا درست هو تلاوة الآيات عليهم وهذه اللام تسميها أهل اللغة لام الصيرورة يعني صار عاقبة أمرهم أن قالوا دارست فصار ذلك سبباً لشقاوتهم وفي هذا دليل على أن الله تعالى جعل تصريف الآيات سبباً لضلالة قوم وشقاوتهم وسعادة قوم وهدايتهم.